كيف ساهم الأفارقة المسلمون بحضارة إسبانيا؟

4/18/2017 6:38:39 PM
يصادف التاسع من نيسان الذكرى السنوية لنهاية ما يقارب السبعمئة عام من حكم المسلمين الأفارقة لإسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا.

فقبل أربعمئة وثمانية أعوام أصدر ملك إسبانيا فيليب الثالث قرارًا هو الأول من نوعه في تاريخ أوامر التطهير العرقيّ الصادرة من محاكم التفتيش في إسبانيا يقضي بترحيل ثلاثمئة ألف مسلمٍ من الأراضي الإسبانيةقرارٌ كهذا كان كفيلًا بإشعال أكثر الأحداث التاريخية مأساويةً ووحشيًة في إسبانيا.

وخلافًا للحكمة التقليدية، كان الأفارقة القدماء هم من نقلوا حضارتهم إلى إسبانيا وأجزاء كبيرة من أوروبا، وليس العكس.

تأسست الحضارة الأولى في أوروبا في جزيرة كريت اليونانية في العام 1700 قبل الميلاد، وقد استمد الإغريق حضارتهم في المقام الأوّل من الأفارقة السود الذين قطنوا وادي النيل حينذاكونقل الإغريق بدورهم هذه الحضارة إلى الرومانلم تدُم هذه الحضارة لدى الرومان وسقطت في نهاية المطاف وبدأت أوروبا ترزح في ظلام العصور الوسطى لمدة خمسة قرونعادت شمسُ الحضارة تضيءُ أوروبا مرةً ثانية حين جاءَت مجموعة من السود الأفارقة “الموريون” إلى أوروبا وأعلنت بقدومها وبحضارتها انتهاء العصور المظلمة.

عندما يدرَّس التاريخُ في الغرب فإن القرون التي تسمّى بالعصور الوسطى يُشارُ إليها عمومًا باسم “العصور المظلمة” حين واجهت الحضارة الغربية بكل ما فيها من علوم وفنون ركودًا أدى إلى ضياعهاوهذه المعلومات أكيدة بالنسبة للأوروبين ولكنها ليست كذلك بالنسبة إلى الأفارقة.

ويوضّحُ المؤرّخُ السنغالي الشهير شيخ أنتا ديوب كيف كانت الأمبراطوريّات العظمى في العالم خلال العصور الوسطى إمبراطوريّات سوداء مؤكدًا أن المراكز التعليمية والثقافية في العالم كانت إفريقية في الغالبوعلاوةً على ذلك، كان الأوروبيّون هم البرابرة الذين لا قانون لهم.

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، دفع الغزاة المغول القبائلَ البيض القوقازية المتحاربة إلى أوروبا الغربيةغزا الموريون السواحل الإسبانية في العام 711 بعد الميلاد، حيث نقلَ المسلمون الأفارقة حضارتهم وعلومهم إلى القبائل القوقازية هذهوفي نهاية المطاف حكم الموريون إسبانيا والبرتغال وشمال إفريقيا وجنوب فرنسا لأكثر من 700 عاموبالرغم من أن أجيالًا من الحكام الإسبان حاولوا شطبَ هذه الحقبة من سجلّ التاريخ فإنّ علم الآثار والبحوث الحديثة بدأت تلقي الضوءَ على تقدم الأفارقة المسلمون في العلوم، وكيف ساهم تقدمهم في الرياضيات والفلك والفنون والفلسفة نقل أوروبا من العصور المظلمة إلى عصر النهضةوقد أشار أحد أهم المؤرخين البريطانيين باسيل ديفيدسون إلى أنه خلال القرن الثامن عشر لم يكن هناك أرضًا أكثر راحةً للعيشِ فيها من إسبانيا لوجود الحضارة الإفريقية الغنية فيها.

وبلا شكّ، فقد كان الموريون شعبًا إفريقيًا أسودًا وقد استخدم الشاعر الإنكليزيّ ويليم شكسبير كلمة “مور” كمرادفٍ لكلمة “إفريقيّ” في القرن السادس عشر.

كان التعليم متاحًا للجميع في إسبانيا الإسلامية بينما بقي معظم الشعب الأوروبي المسيحي أميًا، حتى الملوك لم يكن بإمكانهم القراءة أو الكتابةوتفاخر الموريون بعلومهم الرفيعة في زمنِ ما قبل الحداثةعصرٌ كانت لأوروبا فيه جامعتين فقط ، بينما كان للموريين سبعة عشر جامعة شكلت مصدر إلهام فيما بعد لتأسيس جامعة أوكسفورد بعد أن زار مؤسسوها جامعات إسبانياووفقًا لهيئة الأمم المتحدة للتعليم فإنّ أقدم مؤسسة تعليمية لا زالت قائمة اليوم هي جامعة القرويين المغربيّة التي أسستها فاطمة الفهرية خلال العصر الذهبي لحكم الموريين شمال إفريقيا وإسبانيا في العام 859 بعد الميلاد.

في مجال الرياضيات، أدخلَ المسلمون الصفر إلى الحساب والأرقام العربية والنظام العشري إلى أوروبا، وبذلك ساهموا بحلّ العديد من المسائل الرياضية بشكلٍ أسرع وأكثر دقةً واضعين بذلك حجر الأساس للثورة العلمية.

إن الفضول العلمي الذي جاء به المسلمون إلى أوروبا امتدّ حتى شمل الاهتمام بالطيران وغيرها من الجوانب الثقافية، إذ قام عباس بن فرناس بأول تجربة طيران وفق خطة علمية، وكما تشير الوثائق التاريخية، فإن محاولة ابن فرناس نجحت في العام 875 ولكنه فشل في الهبوطوبهذا نرى أن الأفارقة استطاعوا الوصول إلى السماء قبل اختراع ليوناردو دا فينشي للطائرة الشراعية بستة قرونومن الواضح أن المسلمين ساعدوا بإخراج الأوروبيين من العصور المظلمة ومهدوا الطريق لعصر النهضة، وفي الواقع، فإن الكثير من الصفات الإيجابية التي تفتخرُ بها أوروبا الحديثة قد استمدتها من المسلمين في إسبانيا كالتجارة الحرة والديبلوماسية والحدود المفتوحة وآداب السلوك وطرق البحث والتقدم العلمي في الكيمياء.

وفي الوقت الذي بنى فيه المسلمون 600 حمامٍّ عموميّ والحكام يعيشون في قصورٍ فخمة، قطن ملوك إنكلترا وفرنسا وألمانيا حظائر كبيرة بدون نوافذ أو مداخن وأقنعوا شعوبهم أن النظافة خطيئة.

في القرن العاشر الميلاديّ، لم تكن قرطبة عاصمة إسبانيا المغربية، بل كانت أهمّ وأحدث المدن في أوروبا، حيث بلغ عدد سكانها قرابة نصف مليون نسمة وكانت شوارعها مزودة بإنارة ليلية إضافة إلى خدمات أخرى تشمل خمسين مستشفى ومياهٍ جارية وخمسمئة مسجدٍ وسبعين مكتبة، تحتوي أكبرها على خمسمئة ألف كتـاب.

كل هذه الإنجازات حصلت في وقت كان معظم سكان لندن يعانون فيه من الأمّيّة ويعيشون في ظلام العصور الوسطى بعد فقدهم التقدم التقنيّ الذي حققه الرومان قبل 600 عام، حتى أن الإنارة الليلية في الشوارع وتعبيد الطرق لم تتحقق في لندن وباريس إلا بعد مئات السنينهذا وقد حظرت الكنيسة الكاثوليكية إقراض المال بأي وجه مما ساهم بإعاقة التقدم الاقتصاديّ وجعل من أوروبا المسيحية في العصور الوسطى منطقة بائسة تختزن البؤس والبربرية والأمية والتصوّف.

أما في عصر الاستكشاف والترحال كانت البرتغال واسبانيا البلدين الرائدين في مجال الملاحة البحرية العالمية، إذ اخترعوا الإسطرلاب وآلة السدس لاستخدامهما في الملاحة، فضلًا عن التحسينات التي أجروها في مجال رسم الخرائط وبناء السفن والتي مهدت الطريق لعصر الاستكشاف وهكذا فإن عصر الهيمنة العالمية الغربية في نصف الألفية المنصرمة نشأت من البحارة المغاربة الأفارقة في شبه الجزيرة الإيبيريـّة في القرن الرابع عشر للميلاد.

والجدير بالذكر أن الأفارقة المسلمون تواصلوا بكثرة مع سكان أميركا الأصليين وتركوا انطباعًا في حضارتهم قبل مدة طويلة من تكليف الملوك الإسبان كولومبس باكتشاف أرضٍ غرب الكرة الأرضيةولا يمكننا إلا أن نتساءل كيف كان لكولومبس أن يستكشف القارة الأميركية بينما كان هناك شعبٌ بكل حضارته وثقافته يراقب وصوله من الشواطئ الأميركية؟ حيث ظهرت أدلة كثيرة تثبت إبحار الأفارقة إلى الأمريكيتين عبر المحيط الأطلسـي قبل آلاف السنوات وقبل المسيحويناقش الدكتور باري فيل الأستاذ في جامعة هافرد وجود أدلة تثبت أثر المسلمين في أميركا قبل وصول كولومبس إليها وذلك من خلال المنحوتات والنقود المعدنية وتقارير شهود العيان والوثائق العربيّة والنقوشوإن أقوى دليل على الوجود الإفريقي في أميركا قبل كولومبس يأتي من قلم كولومبس نفسه، إذ أوضح ليو وينر المؤرخ الأميركي وبروفيسور اللغويات في جامعة هارفرد في كتابه “إفريقيا واكتشاف أميركا” المنشور عام 1920 كيف أشار كولومبس في يومياته إلى تأكيد السكان الأصليين لأميركا عن وصول “أشخاص ذوي بشرةٍ سوداء في قواربَ من الجنوب الشرقيّ متاجرين برماحٍ ذات رؤوسٍ ذهبيّة.”

لم يكتفِ المسلمون بإسبانيا بجمع وتخليد التقدم الفكريّ الذي أحرزه المصريون والرومان واليونان القدامى بل انفتحوا على حضاراتٍ أخرى وقدموا مساهماتهم الحيوية في مجالات علم الفلك والصيدلة والملاحة البحرية والهندسة البحرية والقانون.

إن الانطباع القديم الذي قدّمهُ بعضُ العلماء الغربييّن عن القارة الإفريقية وادعاءاتهم بأنها لم تقدّم سوى إسهاماتٍ قليلة ومعدومة للحضارة العالمية وأن شعبها شعبٌ بدائيٌّ بربريّ أصبح ولسوء الحظّ أساسَ التحامل العنصريّ والاستعباد والاستعمار الاقتصاديّ لإفريقيـا.وإن سنحت الفرصة للأفارقة بإعادة كتابة تاريخهم الحقيقيّ، فسيكشفون عن مجدٍ عظيمٍ سيحاولون حتمًا استعادته لأنّ الخطر الأكبر الذي يهدّدُ إفريقيـا ومستقبلها هو جهلُ شعبها بماضيها المشرّف.

ترجمة زينب الحكيم عن مقالٍ نُشر في شفقنا– لندن كتبه غاريكو تشينغو تلميذٌ في جامعة هارفرد

 
  • بالصور..آخر ابتكارات الموت لدى داعش

    7/21/2017 11:11:00 PM
  • احتفالات بيوم الباستيل في فرنسا

    7/21/2017 10:57:18 PM
  • زعيم كوريا الشمالية بعد نجاح تجربة إطلاق الصاروخ الباليستي الجديد

    7/21/2017 9:53:02 PM
  • مسيرة الزومبي في هامبورغ

    7/21/2017 9:51:55 PM
  • الفيضانات في أحمد آباد، الهند

    7/21/2017 9:00:19 PM
  • طابع تذكاري بصورة الشيخ أحمد الوائلي

    7/21/2017 8:28:49 PM
  • ضاحي خلفان: قطر جزء من الإمارات

    7/21/2017 3:55:40 PM
  • عراقية سابع أفضل سيدة أعمال عربية لعام 2017

    7/21/2017 1:36:33 AM
  • عسكري أمريكي يعترف بـ"قتله 2746" عراقيا

    7/21/2017 1:29:59 AM
  • العراق يعتبر عبد الكريم قاسم "شهيداً"

    7/21/2017 1:25:01 AM
  • مصدر سعودي: الملك سلمان سجل بيانا يعلن فيه التنازل عن العرش لنجله

    7/21/2017 1:12:14 AM
  • مناورات عسكرية في کوریا الجنوبیة

    7/21/2017 12:55:44 AM
  • نيويورك تايمز: الليلة التي لم ينم فيها محمد بن نايف

    7/21/2017 12:11:11 AM
  • الجبير: نطالب قطر بوقف دعم الإرهاب وتمويله

    7/20/2017 8:58:52 PM
  • مسيرة غضب شعبية بتونس لأجل القدس وتضامناً مع الفلسطينيين

    7/20/2017 8:56:50 PM
  • فرنسا تغرم بريطانيا فاتورة كبيرة لـ "بريكست"

    7/20/2017 4:10:23 PM
  • رئيس الأركان السعودي يصل الى بغداد

    7/20/2017 2:47:32 PM
  • قطر تفتح أسواقا جديدة لبيع الغاز

    7/20/2017 1:26:32 PM
  • الحشد الشعبي يبحث آخر الاستعدادات لاستعادة تلعفر

    7/20/2017 12:06:03 AM
  • فتح معبر طربييل بين العراق والأردن

    7/19/2017 11:18:53 PM